سيد محمد طنطاوي

410

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقال الإمام الفخر الرازي : وفي الآية احتمال ، وهو أن يكون المراد من قوله - تعالى - : * ( إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) * الترغيب في أن تؤدى هذه الصلاة بالجماعة . ويكون المعنى : إن صلاة الفجر مشهودة بالجماعة الكثيرة » « 1 » . وقوله - سبحانه - * ( ومِنَ اللَّيْلِ ، فَتَهَجَّدْ بِه نافِلَةً لَكَ ) * إرشاد إلى عبادة أخرى من العبادات التي تطهر القلب ، وتسمو بالنفس إلى مراقي الفلاح ، وتعينها على التغلب على الهموم والآلام . والجار والمجرور * ( ومِنَ اللَّيْلِ ) * متعلق بقوله * ( فَتَهَجَّدْ ) * أي . تهجد بالقرآن بعض الليل . أو متعلق بمحذوف تقديره : وقم قومة من الليل فتهجد ، و * ( مِنَ ) * للتبعيض . قال الجمل : والمعروف في كلام العرب أن الهجود عبارة عن النوم بالليل . يقال : هجد فلان ، إذا نام بالليل . ثم لما رأينا في عرف الشرع أنه يقال لمن انتبه بالليل من نومه وقام إلى الصلاة أنه متهجد ، وجب أن يقال : سمى ذلك متهجدا من حيث أنه ألقى الهجود . فالتهجد ترك الهجود وهو النوم . . . » « 2 » . والضمير في * ( بِه ) * يعود إلى القرآن الكريم ، المذكور في قوله - تعالى - * ( وقُرْآنَ الْفَجْرِ ) * ، إلا أنه ذكر في الآية السابقة بمعنى الصلاة ، وذكر هنا بمعناه المشهور ، ففي الكلام ما يسمى في البلاغة بالاستخدام . والنافلة : الزيادة على الفريضة ، والجمع نوافل . يقال : تنفل فلان على أصحابه ، إذا أخذ زيادة عنهم . أي : واجعل - أيها الرسول الكريم - جانبا من الليل ، تقوم فيه ، لتصلي صلاة زائدة على الصلوات الخمس التي فرضها اللَّه - تعالى - عليك وعلى أمتك . قال - تعالى - : يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا . نِصْفَه أَوِ انْقُصْ مِنْه قَلِيلًا . أَوْ زِدْ عَلَيْه ورَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا . قالوا : وقيام الليل كان واجبا في حقه صلى اللَّه عليه وسلم بصفة خاصة ، زيادة على الصلاة المفروضة .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 429 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 642 .